القاضي عبد الجبار الهمذاني

462

متشابه القرآن

فإن قيل : فقد قرئت الآية على وجه يدل على أنه تعالى يريد الفسق والفساد ، وهو بتشديد الميم من : « أمرنا » « 1 » وإذا أمرهم بهذا ، فيجب أن يكون قد أراده منهم . قيل له : هذا كالأول في أنه لا يدل على أنه أمّرهم ومكنهم لكي يفسقوا ، فيجب أن يكون المقصود بتأميرهم غير مذكور ، وأن يحمل الأمر فيه على أنه جعل إليهم الإصلاح ومكنهم من ذلك ففسقوا وأفسدوا ، وليس التأمير والتمكين بأكثر من الإقدار والتمكين بالآلات في العصاة . وذلك يحسن عندنا ، لأن العبد معه ، وعنده ، لا يخرج من أن يكون ممكنا من الطاعة ومن مفارقة المعصية . فأما إذا قرئ أَمَرْنا بالتخفيف « 2 » فيجب أن يكون المراد به ؛

--> - [ وَإِذا أَرَدْنا ] : « وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل ، أمرناهم ففسقوا ، أي : أمرناهم بالفسق ففعلوا » ثم قال : « والأمر مجاز ؛ لأن حقيقة أمرهم بالفسق ، أن يقول لهم افسقوا ، وهذا لا يكون ، فبقى أن يكون مجازا ، ووجه المجاز : أنه صب عليهم النعمة صبا ، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات ، فكأنهم مأمورون بذلك ، لتسبب إيلاء النعمة فيه ، وإنما خولهم إياها ليشكروها ويعملوا فيها الخير ، ويتمكنوا من الإحسان والبر ، كما خلقهم أصحاء أقوياء ، وأقدرهم على الخير والشر ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية ، فآثروا الفسوق ، فلما فسقوا حق عليهم القول ، وهو كلمة العذاب ، فدمرهم » . ولعله أصح وجوه التأويل في الآية . انظر : الكشاف : 2 / 354 - 355 . وانظر ما كتبه أبو عبيد اللّه البكري ( عبد اللّه بن عبد العزيز ) حول الآية وما أورده من وجوه قراءة ( أمر ) . التنبيه على أوهام أبى على في أماليه . الطبعة الأولى بدار الكتب المصرية سنة 1344 . ص : 42 - 43 . ( 1 ) رواها الطبري بسندها عن أبي عثمان النهدي ، وذكرها ابن خالويه في ( القراءات الشاذة ) عنه ، وعن الليث عن أبي عمرو ، وأبان عن عاصم ، انظر الطبري : 15 / 55 . القراءات الشاذة لابن خالويه ، ص : 75 . ( 2 ) يصح أن يقال على القراءة الأولى - بقصر الألف وتخفيف الميم وفتحها ، وهي قراءة عامة قراء الحجاز والعراق - إن المعنى : أكثرناهم ، قال الطبري : ذكر بعض أهل العلم أن : أمرنا : أكثرنا » ولكن هذا من غير المشهور وقد سبق للقاضي كذلك أن ذكر وجه التأويل فيها ، وهو ما علقنا عليه آنفا . فالذي يعنيه بقراءة التخفيف هنا - فيما يبدو - قراءة من قرأ -